الصفحة الرئيسية منتديات الصبحي المقالات الأخبار اتصل بنا معرض الصور
تابع ماقبله  ~ شبكة و منتديات الصبحي ~ تابع ماقبله  ~ شبكة و منتديات الصبحي ~ تابع ماقبله  ~ شبكة و منتديات الصبحي ~ تكملة ماقبله  ~ شبكة و منتديات الصبحي ~ تكملة ماقبله  ~ شبكة و منتديات الصبحي ~ تابع ماقبله  ~ شبكة و منتديات الصبحي ~ تابع ماقبله  ~ شبكة و منتديات الصبحي ~ تكملة ماقبلة  ~ شبكة و منتديات الصبحي ~ الشيخ أحمد زكي اليماني وزيرالنفط سابقا >> لكاتب غربي  ~ شبكة و منتديات الصبحي ~ تابع ماقبله  ~ شبكة و منتديات الصبحي ~ تكمله ماقبله  ~ شبكة و منتديات الصبحي ~ تكمله ماقبله  ~ شبكة و منتديات الصبحي ~ تابع ماقبله  ~ شبكة و منتديات الصبحي ~ تابع ماقبله  ~ شبكة و منتديات الصبحي ~ تابع ماقبله  ~ شبكة و منتديات الصبحي ~

أدخل بريدك  الاليكتروني
 
قبيلة حرب - تصويت

 لا يوجد استفتاء في الوقت الحالي.

  الأخبار
 تابع ماقبله بتاريخ 2009-03-07

  

9ـ فشل كيسنجر في الشرق الأوسط يقع مكتب اليماني في الرياض في الطبقة الأولى من بناء عادي داكن اللون في منتصف الطريق بين المطار ووسط المدينة.

في المكاتب الخارجية، أمناء سرّ رجال باللباس العربي يروحون ويجيئون يجرّون اقدامهم في ردهة تزّين جدرانها صور كبيرة لمصافي النفط، وآباره وحقوله في الصحراء.

وفي غرفة الانتظار، عدد غير قليل ينتظر مقابلة الوزير، رجال بالزي العربي، وآخرون ببدلات غربية يحدقون في السقف، أو ينظرون إلى أرض الغرفة، أو يدخنون السجائر، أو ينظرون إلى ساعاتهم ويتساءلون كم سيطول انتظارهم لليماني.

أما مكتبه فكان فخما للغاية.

غرفة ضخمة كسيت من الداخل بألواح خشبية زيتية، في وسطها مكتبه الضخم الفرنسي الصنع. أثاث الغرفة، الكراسي والطاولات، من الطراز الفرنسي الامبراطوري، تضاف إليها أرائك عربية ضخمة أيضاً تغطيها وسائد متعددة الالوان، فالعرب يحبونها.

وكان هناك الكثير من أجهزة الهاتف التي بدأ أن رنينها لا ينقطع، وجهاز راديو لاقط يستخدم الموجة القصيرة يتكلم بواسطته من وقت لآخر. ولوائح تلكس طويلة بأسعار النفط من جميع انحاء العالم تتكدس فوق طاولته طيلة اليوم.

وكما هي العادة في العالم العربي، كل من يتخطى غرفة الانتظار ويدخل مكتب اليماني، يقدم له الشاي بالنعناع أو القهوة مع حب الهال.

وإذا كنت قد زرته سابقاً، فأنت تعرف أنه عليك قبول الضيافة.

فإن شرب الشاي أو القهوة يشغلك بينما اليماني منهمك بالمكالمات الهاتفية.

في أوائل شهر تشرين الثاني/ نوفمبر 1973، مع تطبيق الحظر النفطي وتجميد الأسعار على 5.12 دولار، حدث أمر ليس بذي أهمية، ولم يلق سوى القليل من الاهتمام، أو ربما لم يهتم به إحدى خارج عالم النفط.

كان هناك بيع بالمزاد العلني لكمية من النفط الخام النيجيري.

بالنسبة إلى خفض الإنتاج الذي كان معمولاً به، النقص العالمي للنفط تدني بمعدل 7% عمّا كان عليه في أيلول/ سبتمبر قبل تطبيق الحظر، ومع هذا فقد تملّك الذعر جميع المراهنين.

وبيع النفط الخام النيجيري بستة عشر دولاراً.

وعندما رأى الشاه ما حدث، قرر القيام بمحاولة مماثلة. كان الاقتصاد الإيراني في أزمة، فالديون الخارجية قد تفاقمت. وكان يريد تطبيق خطة خمسية (لخمس سنوات) إنمائية طموحة وبحاجة إلى السيولة النقدية.

فأقامت إيران في شهر كانون الأول/ ديسمبر مزاداً علنياً وصلت فيه الأسعار إلى 17.40 دولاراً.

ولأنه توقّع ما سيحصل، حثّ اليماني زملاءه على عدم التأثر بأسعار المزادات العلنية. وقال إنها تعكس تأثيرات الحظر النفطي وخفض الإنتاج. واضاف محذراً، "بما أن هذه التدابير سياسية في طبيعتها، فيجيب الا يكون لها تأثير اقتصادي".

ولكن الشاه كان له تفكيره الخاص.

فبعد ثلاثة اسابيع، التقى وزراء دول الخليج الست في طهران.

أراد الشاه أن يستفيد من خفض الإنتاج والتوتر المرتفع في الأسواق فاعلن للوزراء أنه يريد رفع حصة الدولة إلى 14 دولاراً، وهو ما يؤدي إلى رفع سعر البرميل الواحد للنفط إلى معدل 23 دولاراً.

ولم يكن لدى اليماني أي شك من أن هذا الارتفاع الهائل في الأسعار سيضع الاقتصاد الغربي في دوامة. والزيادات الحادّة هذه لا تفيد حتى المنتجين. من جهة أخرى، رأى أن بإمكان الغرب تحمّل زيادة في الأسعار أقل حدّة، فاقترح رفع سعر النفط السعودي إلى 7.50 دولارات.

أمّا الشاه، يسانده بعض المتطرفين، فقد حدد السعر بحوالي 12 دولاراً.

أراد اليماني أن يتمسك بموقفه لكنه أدرك أنّ أي انقسام في صفوف المنتجين ـ وبخاصة العرب ـ سيعرّض منظمة الأوبيك للخطر.

طلب الشاه جواباً من اليماني.

فقام من على مكتبه وشرح للشاه أنه لا يستطيع اتخاذ قرار قبل استشارة الملك. فاستأذن من الاجتماع لاستعمال الهاتف. فحاول مرة واثنتين وثلاثاً فلم يوفق.

وضغط الشاه عليه من جديد يريد جواباً.

وبعد محاولات هاتفية عديدة فاشلة للاتصال بالرياض، اضطر اليماني إلى التكهّن بما سيكون موقف الملك فيصل.

يقول متذكراً، "كانت لحظة دقيقة جداً، كان قراراً عليّ اتخاذه بكل تؤدة، كنت أخشى ان تكون نتائج رفع الأسعار أكثر ضرراً مما تبينّ لي لاحقاً لكني لم أكن أعرف ذلك حينها. كنت أخشى أن تؤدي زيادة حادة في الأسعار إلى انهيار في الغرب. وكنت اعرف، كما قلت دائماً، أن انهيار الغرب سيؤدي أيضاً إلى انهيارنا نحن".

كانت خياراته واضحة. فامّا أن يتمسك بموقفه ضد الشاه مجازفاً بشق منظمة الأوبيك إلى معسكرين، أو مجاراة الشاه في زيادة الأسعار ثم العمل على خفضها.

فاختار الثاني.

لكنه اكتشف بعد عودته إلى بلاده أن الملك فيصل كان سيعارض تلك الخطوة لو أنه استشير بالأمر.

حدد سعر برميل النفط بـ 11.65 دولاراً.

تضاعفت الأسعار أربع مرات خلال أشهر.

بعد المؤتمر، عقد الشاه مؤتمراً صحفياً باهى فيه بدوره الطبيعي في الخليج كقائد لزيادة الأسعار. أعلن قائلا، "سوف ينفع المستهلكين الغربيين أن يتعلموا الاقتصاد في استهلاكهم للطاقة. وبالتالي على جميع اولاد الاثرياء الذين يتنازلون الكثير في كل وجبة طعام. ويملكون سياراتهم الخاصة، ويتصرفون كالارهابيين الذين يلقون بالقنابل هنا وهناك، عليهم أن يعيدوا النظر في جميع هذه الامتيازات التي يتمتع بها العالم الصناعي المتقدّم. كما عليهم أن يعملوا بجهد أكبر".

وترك الشاه انطباعاً أنه منزعج كمن يضمر حقداً.

حتى ولو أنه لم يقل الكثير بشكل مباشر، فقد كان يوجه جزءاً كبراً من عدائه نحو اليماني مباشرة.

ويشير مراقب في وزارة الخارجية الأمريكية قائلا، "كان السعوديون يقفون دائماً في طريق الشاه. لكن كان حريصاً على عرشه الطاووسي فلم يتوجه علانية بأي انتقاد لما يسمى المملكة الصديقة. وبشكل خاص لن ينتقد الملك فيصل. فاتخذ من اليماني هدفاً لغضبه. وكان اليماني الهدف المناسب للتعبير عن عدائه للسعوديين بعامة وللملك فيصل بخاصة".

يوافق جايمس آكينز على هذا الرأي قائلاً، "أجل كان الشاه يكره اليماني. كان هناك نفور نفسي. إنما بعضه مدبّر. لم يكن الشاه يرغب في مهاجمة الحكومة السعودية أو الملك. وكلما حاول السعوديون مثلا الحؤول دون رفع أسعار النفط، بدأ الشاه حملة هجومية، ليس ضد السعودية، وحتماً ليس ضد الملك، إنما ضد اليماني".

وردت القصة نفسها على لسان ايان سيمور من مجلة الميدل إيست ايكونوميك سورفاي (Middle East Economic Survey). يقول ضاحكاً، "الشاه لم يكن يحب اليماني؟ إنكّ تلطفها جداً. كان اليماني يعمل على وضع النظام السعودي في الواجهة، فتلقى الضربات من الشاه الذي حمله المسؤولية، لأن الشاه لم يكن يريد الجهر بتحميل المسؤولية للملك فيصل أو لخالد، القى باللائحة كاملة على اليماني: وعندما اتهم اليماني بأنه أداة في ايدي الامبرياليين، كان يقصد في الواقع، أنه يقف في طريق إيران. وإذا كان هناك من هو أداة للامبرياليين، فلا شك أنه الشاه. ومن المؤكد أن تختلف أفكاره وأفكار اليماني. كان اليماني يقصد أن السعودية كانت تحتفظ بحقها في الحصول على المغانم الامبريالية".

وعندما يتعرض للضغط، يخفي اليماني مشاعره بدبلوماسيّة معهودة، متصرفاً دائماً تصرف "جنتلمان" ويقول، "لا أدري تماماً حقيقة شعور الشاه تجاهي، الا أنه كان واضحا أنه لم يكن بالضرورة راضيا عما كنت افعله. اضف إلى ذلك أيضاً انه من الاسهل انتقادي أنا من انتقاد العائلة المالكة".

في الواقع، كانت علاقة اليماني والشاه العلنية علاقة أخصام، بخاصة فيما يتعلق بالاوبيك، لكنها لم تبلغ حد العداء في المواقف الخاصة غير العلنية.

كان الشاه في الستينات، يقضي شهر العسل في فندق مارك هوبكينز في سان فرنسيسكو، وحدث أن كان اليماني أثناءها في الفندق نفسه. وفي أحد الايام، رأى اليماني الشاه وعروسه في ردهة الفندق فلم يشأ ازعاجهما. وفي وقت متأخر من تلك الليلة، وبينما كان اليماني يهمّ بالنوم نومه، رن جرس الهاتف. فرد اليماني منبهراً وسمع صوتاً يقول، "زكي، أنا رضا". فاستغرق بضع ثوان ليعرف من المتكلم. أراد الشاه أن يعرف، "لماذا تتجنبني؟ لقد شاهدتك اليوم في ردهة الفندق. أرجو أن تتعشى معنا غداً".

في تلك الأثناء أيضاً، وكان اليماني في رحلة إلى طهران، حاول شراء غرسات عنب لبستانه في الطائف. فقيل له أن تصدير الكروم الإيرانية محظور. كان يريدها إلى أبعد حد، ولم يذكر الأمر لأي شخص في الحكومة، وبالطبع ليس للشاه. فتخلى عن الأمر. بعد ثلاث عشرة سنة، وبعد اجتماع مرهق لمنظمة الأوبيك، تسلم اليماني هدية من الشاه كانت رزمة من تلك الكرمات. فبعدا أن الشاه كان على معرفة بالأمر طيلة ذلك الوقت إلى أن قرر فجأة أن يحصل اليماني عليها.

فور ارتفاع الاسعار، أصبح النفط حديث وسائل الإعلام على اختلافها.

وقد أدلى المعلق الصحفي الذي فاز بجائزة بويليتزر الادبية ويدعى جاك اندرسون، بوجهة نظر فريدة في نوعها. كان يعتقد أن السعوديين يخشون أن يؤدي ارتفاع الأسعار إلى تدمير إنتاج النفط قبل أن يتمكنوا من التخلص من واحد من عشرة من كامل مخزونهم الذي يكفي لمدة مائة عام.

كتب اندرسون يقول، "في المناورات التي جرت قبل اجتماع طهران، حاول السعوديون والسفير الأمريكي في الرياض جيم آكينز، حمل كسينجر على الضغط على الشاه، كون الولايات المتحدة هي التي تمد إيران بالسلاح. لكن لم ينتج عن ذلك شيء هام سوى رسالة روتينية من كسينجر اهملها الشاه، وهكذا حافظت إدارة نيكسون على عدم تلطيخ سجلاتها باستعمال القوة لخفض أسعار النفط الأجنبي".

وعندما سئل اليماني عن دقة هذه الأقوال سارع إلى القول، "أجل. لقد طلب الملك فيصل من كسينجر في أكثر من مناسبة التحدث إلى الشاه. وهذا يعني أن الملك فيصل لم يكن يعلم أن كسينجر إلى أراد سعراً عالياً للنفط. لأن هذا ما يؤدي بالنتيجة إلى خفض الاعتماد على النفط الأجنبي. فعندما ترفع الأسعار جداً تشجع على الاكتشافات، وتطوير موارد للطاقة بديلة عن النفط، فيؤدي ذلك بالتالي إلى الحد من الاعتماد كلياً على النفط الأجنبي. هذا ما أراده كسينجر. كان يطمح إلى الحد من قوة العرب لأن العرب كانوا يستمدون قوتهم الحقيقية من النفط. فأراد كسينجر أن يحرمهم هذه القوة. هذا يتطلب وقتاً، ولا يمكن حدوثه الا من خلال ارتفاع سعر النفط.

إذن في تلك الحالة، كان هناك سبب لدى كل من كسينجر والشاه لرفع الأسعار.

على الأقل، كان حامد الطاهري، وهو إيراني ولد في العراق، وكان لمدة عشر سنوات الناطق الرسمي باسم منظمة الأوبيك، مقتنعاً بأن هذه هي الحقيقة.

"كانت إيران تريد شراء المزيد من الأسلحة. وفي تلك الأيام أراد نيكسون وكسينجر تسليح إيران. كانا يريدان دولة قوية في إيران. إذن، فالطريقة الوحيدة كي تحصل إيران على الأموال كانت بزيادة أسعار النفط. ولديّ سبب للاعتقاد بأن كسينجر قد همس في أذن الشاه قائلا، ارفع الأسعار واشتر الطائرات".

إذن، الزاهري أيضاً يؤمن أن رفع الأسعار عام 1973 كان من اخراج الشاه بدعم أمريكي. "لكنني أعتقد أنه كان هناك عامل آخر أيضاً. فبعد حرب فييتنام، لم يكن الاقتصاد الأمريكي في حالة جيدة إذا قيس باليابان وألمانيا. فالطريقة الوحيدة لتأخير اليابان وألمانيا هي في رفع أسعار النفط، لأن الدولتين تعتمدان كثيراً في اقتصادهما على النفط. طرأت هذه الفكرة على بال الشاه وكسينجر. أتعتقد بصدق أن اليماني لم يتمكن من الاتصال هاتفياً بالرياض لأن الهاتف كان معطلاً؟ كلا، فالحكومة الإيرانية كانت قد بدأت تلعب لعبتها وحالت دون اتصال اليماني بالملك فيصل. فقد كان من مصلحتهم الا يتمكن اليماني من الاتصال بالملك في الوقت المناسب. فقطعوا الخط الهاتفي. كان استراتيجية لعبها الشاه جيداً بدعم من الأمريكيين".

والآن يمكننا معرفة السبب وراء تحفظات الملك فيصل الجدية تجاه كسينجر.

في الحقيقة، إن جيم آكينز يصر على أن ظنون الملك فيصل خلصت إلى انعدام الثقة.

"وذلك لأن كسينجر كان كذب على الملك فيصل. كان الملك فيصل قلقاً قبل مقابلة كسينجر. فتحدثت مطولاً إلى الملك وقلت له، إن هذا هو وزير الخارجية الأمريكي. ويتمتع باحساس بالتاريخ. سيقوم بكل ما يمكن لتقدم المصالح الأمريكية؛ لا مصالح إسرائيل. بامكانك التعامل معه. قد أكون مسؤولا أكثر من أي شخص آخر لاقامة علاقة معقولة بين كسينجر والملك، ثم بدأ كسينجر يتلاعب بالحقيقة".

هنا تجدر الاشارة إلى أن صداقة آكينز وكسينجر لم تدم وثيقة عبر السنين.

هذا الرأي يقلل من اهمية الموضوع.

حوالي نهاية عام 1973، عين آكينز سفيرا في السعودية لكن آكينز لم يلعب اللعبة وفق قوانين كسينجر فاستدعاه كسينجر بعد فترة قصيرة.

حسب جميع الروايات، إن الخلاف بين كسينجر وآكينز كان من الطرفين. يقول أحد المعاونين المقربين لكسينجر، "أعتقد جيم أنه يعرف العرب أكثر من كسينجر، واكثر من أي شخص آخر، وعندما كان يعارض سياسة ما، لم يكن ينفذ توجيهات كسينجر. في الوقت ذاته كان هنري دائماً يقلل من قدرات سفرائه. كان معروفاً بذلك".

أما بالنسبة للكلام على كسينجر، فيجب وضع ملاحظات آكينز في موضعها. وكما يقول أحد السفراء، "عادة يكون جيم آكينز انفعاليا جداً".

ويقول جورج بلو إن آكينز "أكثر إنسان متعجرف يمكن أن تلتقيه، فإذا نلت منه شيئاً تذكر أنه يحمل دائماً ذلك الحقد الذي أثرّ عليه. إنه ذكي وعدواني. لكنه اخبرني قبل أن يذهب إلى السعودية انه سيطرد. ثم فقد هنري كسينجر مصداقيته عند العرب. وانتهت حرب 1973 بدبلوماسية كسينجر المكوكية. ولا يزال العرب يشعرون أن كسينجر قد قضى عليهم. وهذا صحيح من وجهة نظرهم".

يرى آكينز أن عقل كسينجر يعمل بالطريقة نفسها التي كان يعمل بها عقل مترنيخ. "كان باستطاعة مترنيخ أن يخبر الامبراطورة قصة، ويخبر ملك بروسيا قصة أخرى، واخرى لملك فرنسا، وهكذا دواليك. ومتى حان الوقت لمقابلة القصص ببعضها، تكون الأمور قد تغيرت. لكن لا يبدو أن كسينجر يفهم أن العالم قد تغير منذ عهد مترنيخ. ولم يكن ينجو بافعاله. فالناس قابلوا القصص ببعضها بسرعة. فكانت ردود فعلهم الاولية تماماً كما كان يحسبها كسينجر. فاعتقدوا، "لا بد واننا على خطأ. لا يمكن أن يكون وزير الخارجية الأمريكية يكذب علينا". ولكن سرعان ما يكتشفون أنه كان فعلا يكذب. وحتى وفاة الملك فيصل، كان كسينجر إذا قال، "إني أكفل ان الشمس ستشرق غداً من الشرق". لقال الملك إلى مستشارية، "من الأفضل أن ننتظر ونرى".

يقول جون وست، حاكم ولاية كارولينا الجنوبية السابق، وسفير الرئيس كارتر إلى السعوديين تجاه كسينجر. "كانت طريقة عمله أن يخبر كل جهة ما كان يعتقد أنهم يريدون سماعه وبطريقة حاذقة لدرجة أنه لا يمكنهم القول أن ما يقوله كذب واضح. لكن أحداً من العرب لم يثق به. لقد احترموا مقدرته، لكنهم لم يثقوا به".

وبالنسبة إلى معاون كسينجر المقرّب والمذكور أعلاه، فإن جزءاً من مشكلة كسينجر مع العرب تكمن في أنه بقي أوروبياً كما هو أمريكي. "فهو لم يستوعب تماماً الحس الأمريكي القاضي بالتقيد بقول الحقيقة. بالنسبة إلى الأمريكيين، هناك عادة خط واضح بين الحقيقة والكذب. أما بالنسبة إلى الاوروبيين والعرب قد يكون التمييز أقل وضوحاً. أن تخبر اشياء مختلفة لأناس مختلفين هو أمر مخالف لسنة الطبيعة بالنسبة إلى الأمريكيين. ولكن، ليس بالضرورة أن ينظر الاوروبيون والعرب إليها بنفس الطريقة. أعتقد أن آكينز يبالغ في تشبيه كسينجر بمترنيخ، مع العلم أنه يصح إلى حد ما. ولكن ربما الملك فيصل لم يحبّ كسينجر لكونه يهودياً".

لكن اليماني يعترض، "لا دخل لذلك".

إنه يؤكد أنه والملك فيصل لم يكونا بالضرورة من المعجبين بكسينجر، لكنه يصرّ أنه لم يسمع الملك يوماً يقول شيئاً عن دين كسينجر.

"أبداً. إن هذا الأمر لم يزعج الملك فيصل أبداً كما لم يزعجني. تعرف أنني احترم الاذكياء، وكسينجر ذكي لاقصى درجة. ترى ذلك في عينيه. إنك تستمتع في التعامل مع شخص ذكي، وان اختلفت معه في الرأي. يصبح الأمر تحدياُ. لم أشعر أبداً أنه كان يوماً محايداً. لكن هذا لا يعني أن التعامل معه كان يقلقني، لأنه كان على كل حال، الشخص الوحيد الذي عليّ التعامل معه".

يبدو أن كسينجر في إحدى زياراته للسعودية في بداية عام 1975، امضى وقتاً غير قليل في تحركات تتطلبها الدبلوماسية، فمدح الملك فيصل وجهاً لوجه. لكن عندما عاد إلى جناحه في الفندق وكان وحيداً مع فريقه، بذل جهداً مماثلاً في الاشارة إلى الملك بالفاظ غير لطيفة أبداً.

وجد تهجم وزير الخارجية الأمريكي في تقرير رفعه إلى وكالة الاستخبارات الأمريكية يشير فيه إلى أن أجهزة تنصت قد زرعت في غرفته.

لكن معاونه المقرّب الذي رفض ذكر اسمه وجد الأمر مسلياً. "كان كسينجر يعتقد أنه من الانصاف بالنسبة إلى الأمريكيين والروس وضع أجهزة تنصت على الناس. وكلنا يعرف أن السعوديين قد استخدموا خبراء في وضع أجهزة تنصت في الغرف. ولدينا أسباب تحملنا على الاعتقاد بأن جميع القصور كانت، وربما لا تزال، مزروعة بأجهزة التنصت".

لكن اليماني يردّ على هذا الأمر بغرابة قائلاً، "في الحقيقة لا أعرف. لم يكن أمر وضع أجهزة تنصت على هذا الشكل في غرف الفنادق أمراً عادياً في عهد الملك فيصل. ويمكن أن تكون ملاحظات كسينجر قد جاءت في تقارير أعدّت بطريقة ما، لكن لا أعتقد بكل صدق أن الغرفة كانت قد زرعت بأجهزة تنصت. لا، ليس في عهد الملك فيصل".

بعد فيصل؟

يرفع كتفيه ويجيب، "ممكن".

أما بالنسبة لملاحظة آكينز بأن كسينجر "يتلاعب بالحقيقة" فإن اليماني يقر بها، "كان آكينز في مركز يمكنه من المعرفة لأن التقارير كانت تصل إليه. لم أكن معنياً بمحادثات كسينجر مع المصريين، أو السوريين، أو الايرانيين. لكن آكينز اخبرني عدة مرات أن كسينجر قد كذب على العرب. لم يخبرني بهذا عندما كان سفيراً، فمركزه يمنعه. لكن أناساً آخرين قالوا لنا الكلام نفسه. والآن، لا تنس قراءة الأفكار. لو أنه اكتشف أن كسينجر كان يكذب علينا لما بدأ ذلك عليه. كان داهية في هذه اللعبة. رغم أنها كانت قد تغير بعض قرارته. وبالطبع لكانت قد اثرت في تفكيره".

ويضيف اليماني أن مواقف كسينجر يمكن أن تكون قد ساهمت في تصلب موقف الملك فيصل بالنسبة إلى السلام في الشرق الأوسط خلال آخر اجتماع للرجلين.

كان ذلك في شباط/ فبراير 1975.

 
 عدد القراء : 305

اطبع هذه الصفحة نسخة للطباعة

عودة لأعلى

الرئيسية مجلة الصبحي المقالات الأخبار اتصل بنا معرض الصور