|
|
الأخبار |
تابع ماقبله بتاريخ
2009-03-07 |
|
|
رؤساء الوزارات. ربما تغير الأمر اليوم، أما في ذلك
الوقت فقد كان جد مستبعد. في الواقع، كانت تلك المرة الأولى التي يلاقي فيها وزير
عربي معاملة كهذه". وهكذا نجد سلاح النفط ـ أو كما يصرّ اليماني، النفط كأداة
سياسية ـ يسجل هدفاً جديداً. "أجل، تنبهت اليابان لمشكلة الشرق الأوسط. كانوا
مهتمين بالنفط من قبل لأنهم يعتمدون جداً على النفط المستورد من الخليج. الآن،
أصبحوا مهتمين بمشاكلنا. إذن، هذا الشأن سياسي. إن النفط كأداة سياسية هو الذي خلق
تلك الاجواء. وفي الخطابات التي ألقاها أمام اليابانيين، توجه اليماني نحو
حضوره بما كانوا هم يريدون إخباره. قال لهم، "إن اليابان اليوم في موقع يمكنها
من الحصول باستمرار على النفط الخام من العربية السعودية على أسس طويلة الامد".
وقال لهم أيضاً إن بإمكانهم تخطي بعض الحواجز التجارية إذا كانوا على استعداد
بالمقابل للمساعدة في مشاريع إنمائية ـ اقتصادية مختلفة في السعودية. وقال لهم
إن الملك فيصل قد يقوم بتحرك في سبيل تخفيض سعر النفط، وأضاف، "هذا إذا كانت دول
الخليج الخمس المنتجة للنفط على استعداد للموافقة. سنبحث الأمر مع باقي الأعضاء
ولسنا منفردين ومن السابق لاوانه الكلام على نسبة التخفيض". ولما كان من المقرر
أن تنعقد قمة نفط واشنطن بعد أقل من شهر من ذلك التاريخ، فقرر اليماني أن يدقّ
إسفيناً في الميثاق الموحد للدول المستهلكة للنفط التي ستحضر القمة. فأعلن في
اليابان، "لدى بعض المستهلكين الآن مصالح خاصة وقوية جداً لعقد اتفاقات ثنائية مع
الدول المنتجة. في مقدمتها اليابان وفرنسا. ولبريطانيا وألمانيا الغربية مصلحة
أيضاً. لذا فإن السعودية مستعدة للدخول في حوار مع الدول المستهلكة". أثار هذا
التصريح غضب كسينجر. فقد وجه اليماني ضربة إلى سياسة وزارة الخارجية الأمريكية
الرامية إلى توحيد الدول المستهلكة للنفط وعزل الدول المنتجة. كما أرسل بذلك
اشارة إلى البعثة الاقتصادية لمنظمة الأوبيك التي كانت منعقدة في فيينا آنذاك. وكان
الأعضاء قد وافقوا مؤخراً على الحفاظ على استقرار الأسعار حتى آخر شهر آذار/ مارس
موعد تقديم تقرير البعثة حول الاتفاقيات الطويلة الأمد والقصيرة الأمد المتعلقة
بسعر النفط الخام. فجاء اليماني يعلن لهم أنه لو أرادت كل من اليابان، وبريطانيا،
وفرنسا، وألمانيا الغربية عقد صفقة خاصة بكل منها، فأي شيء كان ممكناً. ويقول
معلقاً، "هذا صحيح. كنت اقول لفرنسا، ولألمانيا، ولليابان، ولانكلترا إنه بامكاننا
عقد صفقاتنا الخاصة. ولا أخفي حقيقة أني أردت فصلهم عن الدول الثلاث عشرة الأخرى.
لكن لا علاقة لهذا الأمر بمنظمة الأوبيك لانه لا علاقة للأوبيك بالتسويق. كما نتحدث
عن علاقات ثنائية تجارية. وكان المهم في ذلك الوقت مصدر تموين مضمون. فاليابانيون
مثلاً أرادوا أن يتأكدوا أنهم سيحصلون على كمية معينة من النفط مني. إذا كان
بإمكاني إعطاؤهم تلك الضمانات، فهذا ما أرادوه". بكلام آخر، كان يعرض على
اليابان اتفاق فيه أفضلية. "أجل. لكن لا تنس أنه كان هناك شأنان مختلفان. من
جهة كانت هناك علاقة ثنائية بين السعودية واليابان. ثم كان هناك الشأن السياسي الذي
يهم سائر الدول العربية. بالنسبة إلى العلاقة الثنائية، كنا نبحث عن مساعدة من
اليابان لبناء بنية تحتية في السعودية مقابل تعهدنا بمدهم باستمرار بالطاقة.
وبالنسبة للقضية العربية، كنا نريد أن تعلن اليابان أنه يجب على إسرائيل أن تعيد
الأرض المحتلة. كنت فقد اود أن أشرح لهم إن علانا كهذا كفيل بوضع اليابان في خانة
تصنيف متميزة". ويربح من يراهن على أنه قبل السادس عشر من شهر تشرين الأول/
أكتوبر عام 1973، كان القليل جداً من الأمريكيون والاوروبيين واليابانيين قد سمعوا
بمنظمة الأوبيك. وأقلّ منهم بكثير من كان يعرف شيئاً عن منظمة الأوابيك.
واقل من ذلك من كان بإمكانه التعرف إلى الشيخ اليماني حتى لو التقاه في الشارع
وعرّفه بنفسه. لكن اموراً كثيرة تغيّرت عندما اندلعت الحرب. فامتلأت
الصفحات الأولى باخبار الأوبيك، والأوابيك، واليماني. يقول إدوارد هيث، الذي
كان يعرف اليماني جيداً في تلك السنوات، أنّ اليماني كان دائماً يترك فيه انطباعاً
قوياً، ويضيف، "إنه يتمتع بقدرة فائقة، واتزان، وفهم الاوضاع العالمية". يبدو
أن ذلك الشعور كان متبادلاً، ففي إحدى المناسبات وعندما كان هيث في سويسرا لقيادة
فرقة موسيقية ـ وهي هوايته المفضلة ـ سمع أن اليماني كان أيضاً في سويسرا، فدعاه
شخصياً لحضور الحفلة الموسيقية، فلبّي اليماني الدعوة. على كل حال، بينما كان
هيث يشعر أن بإمكانه التعامل مع اليماني… "على اكمل وجه"… كان السياسيون في الغرب
يعتبرون أن اليماني لا يتمتع في السعودية بمكانة عالية. ويعني هيث بقوله هذا أن
رجال السياسة في الغرب يلاحظون أن بعض أعضاء العائلة المالكة في السعودية لا ينفكون
عن تذكير اليماني إنه رغم علاقته بالملك فيصل فهو لا ولن ينتمي إلى العائلة
المالكة. ربما يصح هذا بالنسبة للسعودية. أما في الغرب، فالأمر مختلف. فما
دام فيصل على قيد الحياة، ما من شك أن كل ما يقوله اليماني هو ما يمكن أن يقوله
الملك. وكما لاحظ أحد مسؤولي الأرامكو، "في كل مرة كنا نجري نقاشاً مع اليماني،
عندما كان الملك فيصل على قيد الحياة، كان اليماني يؤمن لنا مقابلة مع الملك وهو
متأكد تماماً أن الملك سيدعم موقف لأنهما كانا يفكران بالطريقة ذاتها". شخص آخر
كان على معرفة وثيقة باليماني في تلك الأيام وهو السير ألان روثني السفير البريطاني
في السعودية آنذاك. يقول: "عندما وصلت إلى السعودية في منتصف صيف 1972، كان
اليماني يملك بيتاً صغيراً مجاوراً لقصر الملك مطلا على شاطئ جدة، لم يعد يشرف الآن
على هذا المنظر لأن المساحات الفاصلة قد ملت بالابنية. كان قد مضى عليه في منصبه
عشر سنوات. أما الذي جعله شخصاً مميزاً إلى المسرح العالمي فهو زيادة أسعار النفط
أربعة أضعاف عام 1973. ومنذ ذلك الوقت وهو شخصية مهمة". من المنصف القول إن
الغرب، وحتى ظهور اليماني، كان يعتبر عرب البحر المتوسط هم العرب المتحضرين، وعرب
الخليج هم المتخلفين، وبدو الصحراء الاقطاعيين. ومن المنصف القول أيضاً، إن
اليماني غير هذا الاعتبار. كان ينظر إليه على انه هو الشخص المسؤول عن تنفيذ
قرار استخدام سلاح النفط العربي في الحرب ضد إسرائيل. وهو يعتقد أنه غير أيضاً
بعض المواقف. "أعتقد أنني صورة العرب في الغرب وبخاصة في الولايات المتحدة، تلك
الصورة التي كانت تظهرهم متوحشين، جهلة، فعندما كنت اتحدث إلى الأمريكيين لم أكن
أبدو متوحشاً وجاهلا. فانعكس هذا على من يسمون بدو الصحراء المتخلفين". أما في
اللحظة التي تذكره فيها بقوله، "لست سوى بدوي بسيط"، بجيبك بابتسامة عريضة، ويمنعه
تهذيبه من الصراخ ف يوجهك، لن تطلب مني أن اتقيد بهذا القول طبعاً. "في الحقيقة،
أنا من تلك البقعة من العالم. نشأت هناك. وجذوري هناك. إذن، قد يكون البدو أقلّ
سوءاً مما يظن". قيل له لكنك في الحقيقة لست "بدوياً بسيطاً". فيجيب، "إني
مرتاح في الغرب. جداً. أحياناً ارتدي الزيّ العربي لأنه يريحني أكثر من الزي
الغربي. لكن لا أدري، ربما لو اتيح للبدو أن يعيشوا في الغرب لتعودوا على الارتياح
فيه مثلي". ثم يسكت برهة تعود بعدها الابتسامة، "تستنتجون أننا البدو أناس سريعو
التأقلم". كانت خطة كسينجر تقضي بمواجهة منتجي النفط عن طريق تجميع الدول
المستهلكة للنفط في تنظيم من شأنه حماية ترتيبات تجارية ومالية معينة. لم تستثنى
المفاوضات الجماعية مع الأوبيك، لكنها ستؤجل إلى حين يتم تنظيم الدول المستهلكة.
عين 11 و12 شباط/ فبراير 1974 موعداً لقمة النفط في واشنطن وضمت لائحة المدعوين
الدول التسع الأعضاء في المجموعة الاقتصادية الأوروبية، إلى جانب كندا، والنروج،
واليابان؛ كما دعي أيضاً الامين العام لمكتب التعاون والانماء الاقتصادي. وإذا
اعتبرنا أن هذه القمة لم تحقق أي شيء، فانها على الأقل جعلت العرب يسهرون ويتنبهون.
يقول اليماني، "طبعاً عارضناها، أنا شخصياً عارضتها بعنف. وقد ازعج موقفي هذا
كسينجر كثيراً. فأراد جمع الدول المستهلكة في صف واحد، دون التمييز بين الدول
المتطورة والدول النامية، وذلك من أجل تكوين جبهة موحدة ضد منظمة الأوبيك. ولم اكن
راغبا أبداً في أن يتم انعقاد القمة لأن ذلك يعني تقسيم العالم إلى قسمين يقف فيه
المنتجون بمواجهة العالم اجمع. وقد ابلغت الدول المزمعة على الاشتراك، بأن هذه
القمة ستزعجنا". وقد تراءى لليماني أن أمريكا قد تستجمع القوى لايجاد طريقة
فعالة لمنع سلاح النفط من إحداث المزيد من الضرر. تلك كانت بالفعل الفكرة التي
تراود كسينجر. في رأيه، إذا لم تفعل الدول المستهلكة للنفط شيئاً، فإن العالم ـ
وهذا يتضمن العرب ـ قد يغرق في انهيار اقتصادي. وبما أن الغرب أخذ المسألة بكل
جدية، فقد حضر القمة كل من تسلم الدعوة. وكان من الممكن أن ينتج شيء عنها لولا
تدخّل ممثل فرنسا، ميشال جوبير. أعلن جوبير عن الموقف الفرنسي القائم على
التعاون مع باقي الدول الممثلة في القمة، لكنه رفض التكلم بأي لغة غير الفرنسية،
كان من المقرر أن تكون الإنكليزية لغة الاجتماع، والمعروف عن جوبير أنه يتكلم
الإنكليزية بطلاقة. لكنه أصر على حقه في استعمال الفرنسية… فحصل تأخير بسبب إجراء
الترتيبان للمترجمين. ثم، عندما اقترحت الولايات المتحدة تضافر الجهود لمواجهة
شؤون الطاقة، وجد جوبير أن شركاءه في السوق المشتركة، الذين كانوا يؤيدون الاتفاق،
كانوا بعيدين عن فرنسا. طرح الأمر على التصويت، فوافق المجتمعون ـ ما عدا فرنسا
ـ على تنسيق سياساتهم القومية للحفاظ على الطاقة وضبط الطلب، وهذا من شأنه توفير
الاحتياطيّ لحالات النقص الحادة، مما يؤدي إلى دعم الانماء القومي لمصادر الطاقة،
إلى جانب تسريع أبحاث الطاقة والبرامج الانمائية. يتذكر اللورد هيوم المؤتمر،
عندما كان وزيراً للخارجية ويعرف بالسير ألك هيوم ثم أصبح رئيسا للوزراء، قائلاً،
"كان جوبير ميالاً إلى اتخاذ مواقف كهذه. فقد حضرت عدداً من المؤتمرات كان هو أيضاً
فيها وأصر في اكثرها على التكلم بالفرنسية. ولو تعاونت فرنسا معنا لكنا حققنا
الكثير، لكني لا أعتقد أنه بتعاون فرنسا معنا كان ممكناً أن نتخذ موقفاً. إن الموقف
الفرنسي جعل الأمور صعبة. إنما لا يمكنني القول إن شيئاً مختلفاً كان سيتم لو أن
فرنسا وافقتنا". إنّ الموقف الفرنسي الرافض للتعاون في قمة واشنطن للنفط لن
يفاجئ اليماني، "على كل حال، لو كانوا نجحوا في الموافقة على اقتراح ما، لا أعتقد
ان بامكانهم القيام بأي شيء. كنا نتمكن دائماً من محاورة الدول النامية. أما هم
فلا. كانت فرنسا على ثبات في سياستها لأنها رفضت أيضاً الانضمام إلى وكالة كسينجر
العالمية للطاقة. رفضت مبدأ المجابهة الذي دعا إليه كسينجر. كانوا يريدون نوعاً من
التعاون. فكانوا في الواقع متفقين في الرأي مع العربية السعودية". تقليدنا، إن
الفرنسيين كانوا دائما على اعتقاد بأنهم هم الوحيدون في أوروبا الذين يتمتعون
بمكانة مميزة بالنسبة للعلاقات الغربية ـ العربية. لكن ذاكرتهم مقصرة. فهم قد
استعمروا شمالي افريقيا، باسطين نفوذهم على المغرب، والجزائر، وتونس. بل وطردوا من
شمالي افريقيا وأممت مصالحهم النفطية في الجزائر. كما كانوا يؤمنون أن لهم مكانة
خاصة بالنسبة إلى إيران، فعندنا نفي آية الله ، قدموا له المأوى في منزل في ضواحي
باريس. لكن، عندما عاد آية الله إلى طهران لم يكن هناك مرفأ فرنسي "مفضل" بالنسبة
إلى ناقلات النفط الإيرانية . كان واضحاً أنهم كانوا يحاولون التجربة مع
السعوديين. لكن اليماني أكثر دبلوماسية من أن يقول ذلك. فهو يفضل أن يقول،
"أجل، كانوا يحصلون على النفط من السعودية. لكنهم كانوا أيضاً يحصلون على النفط من
عدة دول منتجة أخرى. في الحقيقة لا أوافقك أن تعاونهم في هذه الحالة. أو عدمه كما
في قمة واشنطن، كان يعتمد على الدوافع التي تقترح. أفضل أن أعتقد انه كانت لديهم
بكل بساطة فلسفة مختلفة حول العالم الثالث". إن قمة النفط في واشنطن كانت
برهاناً أن أوروبا، رغم كل الاعفاءات، قد وقعت فريسة سلاح النفط. فكانت قوة أوروبا
ووحدتها خرافة. وثروة أوروبا، وتجارتها الخارجية، وعدد سكانها الهائل، لم تؤد
مجتمعة إلى شيء يذكر بالنسبة للقوة السياسية. عندما سئل اليماني ما إذا كان سره
فشل قمة واشنطن، أجاب بسرعة، "بالطبع. لأننا كنا في الطريق إلى مجابهة وهذا ليس في
صالح المنتجين أو المستهلكين. لكنني لا الومهم على القيام بما قاموا به أو
التفكير بما فكروا به بخاصة عندما تكون بينهم دولة عظمى كأمريكا". ويقول إنه
يفهم مدى صعوبة ابتلاع أمريكا للموقف أن تجد نفسها في موقف حيث دول صغرى تملي عليها
ما يجب فعله. "أنا لا ألوم الأمريكيين على التفكير بوجوب معاقبة هذه الدول الصغرى.
فإذا كانوا يعتقدون أن منظمة أوبيك كانت تسعى لخوض معركة، حسناً، عندها أدرك لماذا
تصرفوا على ذلك النحو. لكنني لا أعتقد أن أوبيك كانت تريد المواجهة. إن مشكلة
أمريكا تكمن في أن الدول المنتجة كانت للمرة الأولى تمسك بأيديها بقرار تحديد سعر
النفط. فهل بدأ ذلك لامريكا وكأن المنتجين يريدون مجابهة المستهلكين؟ أجل، أعتقد
ذلك". كان اليماني دائماً يفكر للمدى الطويل، قال إنه حاول النظر إلى ما بعد
المجابهة آملاً أن تكون الأزمة محركاً يدفع الدول الصناعية إلى إجراء محادثات مع
الدول النامية. "لم نكن نريد المجابهة، كما أرادها كسينجر. أردنا التعاون.
أردنا أن تتحادث جماعات مختلفة، كما الشمال والجنوب". كنتيجة مباشرة لقمة
واشنطن، دعت الجزائر إلى عقد جلسة خاصة للأمم المتحدة لبحث مشاكل الجنوب
الاقتصادية، بما فيها الطاقة. ارسلت السعودية بعثة خاصة برئاسة الشيخ اليماني.
لم تكن الجمعية العمومية للأمم المتحدة في نظر اليماني سوى مؤتمر موسع للاوبيك.
فأخذ يتصرف آرائهم. أمضى الأيام القليلة الأولى في نيويورك يجري اتصالات هاتفية،
ويعقد اجتماعات خصوصية مستنتجا من ذلك كله أن الموقف الجزائري الهادف إلى طرح هذه
الأمور امام الجمعية العمومية سيؤدي فقط إلى أضعاف الطروحات. "تلك كانت فرصتي
لأبعد الدول النامية عن كسينجر واكسبها إلى جانبنا. إنما لنكن صريحين، عندما تذهب
إلى الأمم المتحدة ل تتوصل إلى اتفاق. تنتهي بالاستماع إلى خطابات جيدة، وهذا كل
شيء. ولا يتم انجاز شيء يذكر. شعرت أن هذا الشأن، أي مناقشة الطاقة، كان حيوياً
ومهماً جدا. أهم من أن يترك للجمعية العمومية". خاطب اليماني الجمعية العمومية
داعياً إلى مؤتمر خاص يعقد بين الشمال والجنوب تبحث فيه جميع مشاكلهما بما فيها
الطاقة. حتى إنه حدد إن يبدأ باجتماع خاص لمجموعة من عشر دول يوكل إليها أمر تحضير
جدول أعمال الاجتماع العام. لكن أمريكا عارضته بشدة. "كنت أريد نوعاً من
التعاون الحقيقي. لكن كسينجر كان يبحث عن المجابهة. بالتأكيد. مؤتمر واشنطن لم يحقق
له ما أراده، فبدأ بالوكالة العالمية للطاقة". على أي حال، اليوم التالي
لاقتراح الشمال والجنوب الذي كان اليماني تقدم به، أتاه السفير الفرنسي في نيويورك
يعرب له عن اهتمامه بالفكرة. نتيجة لاجتماعهما ، اتصل الرئيس الفرنسي فاليري
جيسكار دستان بالملك فيصل مقترحاً أن تعمل فرنسا والسعودية معاً للدعوة إلى
الاجتماع التحضيري وفق لائحة الدول العشر التي كان أعدها اليماني. وقد قامت كل
من فرنسا والسعودية، بعد ذلك بفترة وجيزة، بتنفيذ هذا الأمر. ولكن دون علم
جيسكار دستان، نصح اليماني الملك فيصل بضرورة عدم قيام السعودية بعمل ناشط بالنسبة
إلى الدعوات. "لأن ذلك سيكون صعباً لاسباب سياسية داخل الأوبيك وخارجها، وشعرت
أن تسليط الاضواء على السعودية فكرة جيدة. لقد كنا القوة الحقيقية وراء كل هذا، لكن
آثرت البقاء في الصفوف الخلفية. فوافقت فرنسا وعلى هذا الأساس تمت الأمور".
وأخيرا انعقد مؤتمر الشمال والجنوب بالرغم من أنه كان مفعماً بالمشاكل منذ
بدايته. فقد عارضه الأمريكيون معتبرينه محاولة للقضاء على وكالة الطاقة
العالمية في المهد ليس إلاّ. وفي بريطانيا، اعتبر نسخة ثانية للجهود التي كانت
تبذل، وفي أسوأ الحالات، اعتبر عائقاً. عرضت الدول العشر على بساط البحث جدول
أعمال من خمسة مواضيع: المواد الخام، تبادل التكنولوجيا، الديون العالمية، والطاقة.
خلال سنتين، تجزّأ كل شيء لدرجة أنه تلاشى. أعلن جيسكار دستان عن موتها بكل
أسى. تبناها كما لو كانت ملكه لذا فإن هي فشلت، فهو معني أيضاً بهذا الفشل. كان
اليماني يقف هادئاً وراء الكواليس، تاركاً المجد للرئيس الفرنسي الذي انتزع الصفحات
الأولى من وكالة كسينجر للطاقة. ويصر اليماني "إن كسينجر قد أنشأ وكالة الطاقة
العالمية بهدف المجابهة، ولهذا السبب رفضنا نحن في الأوبيك التحدث إلى الوكالة، حتى
وإن تغيرت شخصيتها، ومن الخطأ بالنسبة إلى الأوبيك أن تتحدث مع الوكالة. هذا من
جهة رسمية. إن ما تقوم به تحت الاضواء شيء. وما تقوم به في الخفاء شيء آخر.
"إني أقرّ الآن إنني كنت أرتكب ذلك الخطأ ليس علنا، إنما في غرفة مغلقة. خلال
السبعينات كنت غالبا ما اجتمع إلى رئيس الوكالة سراً. وعندما كنت رئيس لجنة
استراتيجية الأمد الطويل في الأوبيك، اقمت أيضاً علاقة مع المجموعة الاقتصادية
الأوروبية. ولم يكن من المفروض أن تحدث هذه الامور، إنما من غير الممكن تجاهل هاتين
المنظمتين. فقد كانتا على قدر رفيع من الاهمية. ليس في البداية، إنما بعد أن اكتمل
تأسيسهما واصبح لديهما ما تقدمانه، كنت مستعداً للاصغاء دائماً. طبيعيّ أن اتقرب من
الوكالة بحذر لأنّ السعودية عضو في الأوبيك ولا يجوز أن نفعل شيئاً في العلن قد
يضايق بعض الأعضاء. تلك هي السياسة. نعم، كنت اجتمع إلى رئيس الوكالة. أحياناً
نتناول طعام الغداء. أحياناً نجتمع بهدوء ونتحدث غالباً، يكون من المفيد جداً أن
تبقي على نوع من الاتصال غير الرسمي. |
|
|
|
|
|